السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
370
مفاتيح الأصول
عن الكذب إلى آخره مدفوع بملاحظة سيرة كثير من الناس من أهل الإيمان والإسلام والكفر من التحاشي عن الكذب وارتكاب كثير من الفسوق والاستبعاد إنما يتجه حيث يكون الأمر على خلاف العادة ومن الظاهر أن ما ذكرناه مما جرت به العادة وثانيها أن خبر الفاسق المتحرز عن الكذب يفيد ظن الصدق أيضا وكلما هو كذلك فالأصل فيه الحجية لأصالة حجيّة الظن لا يقال هذا الظن مما قد قام الدليل الظني على عدم حجيته وهو ما تقدم إليه الإشارة في مقام ذكر حجج القول الأوّل وأعظمه الإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة الَّتي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف ولا نسلم أصالة حجية الظن بحيث يشمل هذا القسم من الظن لأنا نقول نمنع من ذلك لما أشرنا إليه من استمرار الأصحاب على العمل بخبر غير العدول فإنه إن لم يكن إجماعا عليه ودليلا موجبا للقطع به فلا أقل من إفادته الظن بذلك ومع هذا كيف يمكن دعوى أن الظن المفروض مما قام الدليل الظني على عدم حجيته وأما إطلاق المعظم اشتراط العدالة في الرّاوي فلعلَّه محمول على صورة عدم حصول الظن من الخبر كما أشار إليه جدي رحمه الله ولكن قد يقال الظاهر من كلام جماعة تقدم إليهم الإشارة أن الشرائط المذكورة لخبر الواحد إنما تعتبر بعد إفادة الخبر الظن لا مطلقا وأن الخبر الَّذي لا يفيد الظن لا يكون حجة وإن اتصف راويه بالشرائط المذكورة والإنصاف أن الجمع بين ما ذكروه في الأصول من أنه يشترط في الراوي العدالة وما يشاهد منهم في الفقه من الاعتماد على غير أخبار العدول وما يظهر منهم من أن الخبر إنما يكون حجة بعد إفادته الظن مطلقا في غاية الإشكال ولكن هذا الاختلاف أوجب عدم الظن بعدم حجية خبر غير العادل من طريق فتوى الأصحاب كما لا يخفى فلم يبق سوى الظن المستفاد من العمومات المانعة عن العمل بغير العلم وهو غير ملتفت إليه على تقدير أصالة حجية الظن وإلا لم يتجه الأصل المذكور أصلا إذ ما من ظن إلا ويحصل من هذه العمومات الظن بعدم حجيته فكيف يمكن دعوى تقييد الأصل المذكور بصورة عدم قيام الدليل الظني ولو من هذه العمومات على عدم حجيته فتأمل سلمنا أن الظن المفروض مما قام الدليل الظني على عدم اعتباره ولكن عندنا احتمال أصالة حجيته أيضا في غاية القوة فتأمل فإذن القول الثاني حيث يحصل الظن من خبر غير معلوم العدالة في غاية القوة سواء كان معلوم الفسق أو مجهول الحال وعلى هذا لا حاجة إلى البحث عن حجية خبر مجهول الحال كما اتفق للمعظم نعم يفتقر إليه على تقدير اشتراط العدالة ولكنه خلاف المختار الكلام في التزكية والجرح والتعديل وما يثبت به عدالة الراوي وما لا يثبت به مفتاح إذا عمل العدل الذي يعتبر تزكيته برواية فهل يكون مجرد عمله تعديلا لرواتها أو لا صرّح بالأوّل في التهذيب والأحكام والمحصول والمنهاج وشرحه للعبري والمختصر ولهم وجهان أحدهما دعوى الاتفاق على ذلك في الأحكام وفيه نظر للمنع فإن الظاهر من النهاية والمنية وشرح المختصر للعضدي أن ذلك لا يفيد التعديل وثانيهما ما تمسّك به في الإحكام والمحصول والمختصر وشرح المناهج من أن الرّاوي الذي عمل العدل بروايته لو لم يكن عادلا للزم عمل العدل بخبر غير العدل وهو فسق والكلام في العامل العادل وفيه نظر للمنع من لزوم الفسق لو عمل بخبر غير العدل وإلا لزم العامل بخبر مجهول الحال وبالروايات الَّتي رواتها فسّاق إذا اعتضدت بالشهرة أو بقرينة توجب ظن الصدق فاسقا وهو باطل قطعا وإلا لزم تفسيق معظم أصحابنا وهو باطل بالضرورة سلمنا أن العمل بخبر غير العدل غير جائز ولكن نمنع كونه كبيرة قادحة في العدالة سلمناه ولكن العادل قد يفسق فلم لا يجوز أن يكون هذا موجبا لفسقه والحكم بالتعديل بذلك دفعا للفسق عن العادل مما لم يظهر لي وجهه وأصالة حمل فعل المسلم على الصّحة على تقدير تسليمها هنا معارضة بأصالة عدم العدالة في المجهول فتأمل لا يقال العدل وإن جاز له العمل بخبر غير العدل ومصيره إلى أنه لا يشترط العدالة في الراوي ولكن الغالب عمله بخبر العدل وظهور مصيره إلى اشتراط العدالة في الراوي فيلحق محلّ المشكوك فيه بالغالب لأنا نقول كل ذلك ممنوع والمعتمد أن ذلك بنفسه ليس تعديلا نعم إن حصل العلم بالتعديل بذلك مع ضم أمر آخر كان متّبعا وهل يقوم الظن هنا مقام العلم أو لا المعتمد هو الأول وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إن قلنا إن ذلك يفيد التعديل فهل يشترط العلم بعمل العدل بالرواية أو لا صرّح في التهذيب والمحصول والإحكام بالأول وهو ظاهر المنهاج وشرحه للعبري والمختصر بل الظاهر أنه مما لا خلاف فيه بين القائلين بكون ذلك تعديلا فلو أفتى بحكم موافق لرواية مجهولة حال رواتها واحتمل أن يكون مستنده تلك الرواية أو دليل آخر لم يكن ذلك تعديلا لهم وقد صرّح بهذا في المحصول والإحكام والنهاية والمنية وعبارة للشهيد الثاني وقد صرح في النهاية بدعوى الإجماع عليه الثاني إن قلنا بأن ذلك يفيد التعديل فلا فرق بين أن يذكر العدل الراوي الذي يعمل بروايته مصرّحا باسمه أو مبهما أو لم يذكره مطلقا كما هو ظاهر إطلاق عبارة القائلين بذلك الثّالث إذا قلنا بأن ذلك لا يفيد التعديل فهل يحكم بالتعديل إذا علم بأن العدل المفروض لا يعمل إلا بخبر العدل أو لا صرح بالأول العضدي وهو ظاهر النهاية والمنية وفيه إشكال نعم إن أفاد ذلك العلم أو الظن بالتعديل اتجه الحكم بذلك الرّابع مخالفة العدل لخبر لا تكون قدحا في رواته وكما صرّح به الشهيد الثاني قائلا بجواز كون المخالفة لشذوذه أو معارضته لما هو أرجح منه أو غيرهما والعام لا يدل على الخاص الخامس قال في الإحكام بعد التصريح بأن حمل العدل تعديل وهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السّبب وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة لأن باب الشهادة أعلى من باب الرواية ولذلك اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية فكان الاحتياط والاحتراز فيه أتم وأوفي انتهى مفتاح إذا روى العدل الذي يعتبر تزكيته عن رجل غير معلوم العدالة وسماه بلفظ لا يعلم شخصه كأن